الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
70
مناهل العرفان في علوم القرآن
والجواب : يتبين لك مما قصصنا عليك في المعجزة وفي ضرب المثل لها بعصى موسى . ويمكن تلخيصه بأن المعجزة نفحة من نفحات الحق تخرج عن أفق الأسباب المعتادة ، والوسائل المشاهدة ، والغايات المألوفة . أما السحر وما أشبهه ، فإنها فنون خبيثة ، ذات قواعد وأوضاع يعرفها كل من ألمّ بها ، ويصل إلى وسائلها وغاياتها كلّ من عالجها من بابها . ولهذا كان أول من آمن بموسى هم السحرة أنفسهم ، لأنهم أعلم بهذا الفرق الواضح ، والبون الشاسع ، كما تقدم . « الشبهة الثالثة » يقولون : إن ما تسمونه معجزات من العلوم والمعارف التي اشتمل على مثلها القرآن ، ما هي إلا آثار لمواهب بعض النابغين من الناس ، وهذه المواهب وآثارها وجدت ويمكن أن توجد في كل أمة . والجواب : أن مواهب النابغين ، ونبوغ الموهوبين ، وما يكون منهم من آثار وأفكار ، كل ذلك له وسائل وعوامل ، ثم له أشباه معتادة ونظائر ، في كل أمة وجيل ، وفي كل عصر ومصر ، أما المعجزات فلن تجد لها من وسائل ولا عوامل ، ولن تستطيع أن تصل إلى أشباه معتادة لها ونظائر ، اللهم إلا إذا خرجنا عن نطاق الكون المعروف ، وسنن الوجود المألوف . « الشبهة الرابعة » يقولون : إن خرق اللّه لعاداته على أيدي رسله كما تقولون ، يعتبر خروجا عن النظام العامّ الذي تقتضيه الحكمة ، وتناط به المصلحة . والجواب : أن المعجزة - وإن كانت خارجة عن حدود الأنظمة المعتادة لا تعتبر خروجا على النظام العامّ الذي تقضى به الحكمة ، وتناط به المصلحة ، بل هي من مقتضيات ذلك النظام العامّ الذي تمليه الحكمة ، وتوحيه المصلحة . وأىّ حكمة أجلّ من تأييد الحقّ وأهل الحق ؟ وأىّ مصلحة أعظم من اهتداء الخلق إلى طريق سعادتهم ؟ بوساطة تلك المعجزات التي يفهمون منها مراد الخالق من تأييد رسله ، ووجوب تصديقهم لهم ، واتباعهم إياهم . « الشبهة الخامسة » يقولون : لو كان الوحي ممكنا لأوحى اللّه إلى أفراد البشر عامة ، ولم يختصّ به شرذمة قليلين يجعلهم واسطة بينه وبين خلقه .